نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

359

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

( قال الفقيه ) رحمه اللّه : الفقر أفضل من الغنى ولكن لا عيب في الغنى ، ألا ترى إلى أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا أغنياء ولم يأمرهم بتركه ، ولو كان مذموما لنهاهم عن ذلك ولأمرهم بترك المال ، فلما لم يأمرهم بتركه ثبت أنه لا عيب في الغنى ، وإنما العيب على صاحبه إذا فعل في غناه بخلاف ما امر اللّه تعالى . ويقال : إنما الاختلاف في الزمن الأوّل أن الغنيّ أفضل من الفقير لأن غالب أموالهم كانت من حلال فإذا أخذوا من حله ووضعوا في حقه فقال بعضهم هذا أفضل . وأما في هذا اليوم لما صار غالب أموالهم الحرام والشبهة فلا معنى لهذا الاختلاف فالفقر أفضل بالاتفاق . الباب الثالث والسبعون : في الاستدانة ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : لا بأس بأن يستدين الرجل إذا كانت له حاجة لا بدّ منها وهو يريد قضاءها ، ولو أنه استدان دينا وقصد أن لا يقضيه فهو آكل السحت . وروي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها « أنها كانت تستدين ، فقيل لها مالك وللدين ؟ فقالت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من كان عليه دين ينوي قضاءه كان معه من اللّه تعالى عون ، فأنا ألتمس من اللّه تعالى عونا » وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « تعرّضوا للرزق فإن غلب أحدكم فليستدن على اللّه وعلى رسوله » وروي عن محمد بن عليّ أنه كان يستدين ، فقيل له لم تستدين ولك من المال كذا وكذا ؟ فقال لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه مع المديون حتى يقضي دينه ، فأحب أن يكون اللّه معي » وأما إذا استدان ونيته أن لا يؤدّي فهو آكل السحت لما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « من تزوج امرأة ومن نيته أن يذهب بصداقها جاء يوم القيامة زانيا ، ومن اشترى شيئا ومن نيته أن يذهب بثمنه جاء يوم القيامة سارقا » وروى أبو قتادة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أنه قيل له يا رسول اللّه أرأيت من قتل في سبيل اللّه هل تكفر عنه خطاياه ؟ قال نعم إذا كان محتسبا صابرا مقبلا غير مدبر إلا الدين فإنه مأخوذ به » وقال لقمان الحكيم : حملت الحديد والجندل فلم أحمل شيئا أثقل من الدين . الباب الرابع والسبعون : في العزل ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : لا بأس بالعزل إذا كان بإذن المرأة . والعزل أن يطأ امرأته فيعزل عنها قبل أن يقع الماء فيها مخافة الحبل ، وكان اليهود يكرهون ذلك فيقولون هي الموءودة الصغرى فنزلت هذه الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وعن ابن عباس أنه سئل عن العزل فقال : إن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال فيه شيئا فهو كما قال ، وإلا فأنا أقول كما قال اللّه تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فمن شاء عزل ومن شاء لم يعزل . وروي عن عبد اللّه بن مسعود أنه سئل عن العزل فقال : لو أخذ اللّه ميثاق نسمة في صلب رجل فصبها عليّ صبا أخرج اللّه منه النسمة التي أخذ ميثاقها ، إن شئت فاعزل وإن شئت فأولج . وروى أبو سعيد الخدري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه سئل عن العزل فذكر نحو هذا . وروي عن ابن عمر أنه سئل عن هذه الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ